مرحبا بكم  بيان حول - مؤتمر الحوار الوطني - في تونس  أطلقوا سراح كافة المعتقلين السياسيين بالمغرب    كارل ماركس : العمل المأجور والرأسمال  فريدريك إنجلز : خطوط أولية لنقد الاقتصاد السياسي ماو تسي تونغ : كيف نحلل الطبقات في الريف
lundi 28 octobre 2013

كارل ماركس : ماهي سياسة البرجوازية الصغيرة ؟

 كارل ماركس : ماهي سياسة البرجوازية الصغيرة ؟

الملاحظة السابعة والأخيرة

يتبع علماء الاقتصاد أسلوب إجراءات غريب . فليس لديهم سوى نوعين من المؤسسات ، مؤسسات المصطنعة والمؤسسات الطبيعية ، فمؤسسات الإقطاع مؤسسات مصطنعة ، ومؤسسات البورجوازية مؤسسات طبيعية .
وهم في هذا يشبهون رجال اللاهوت الذين يقيمون بدورهم نوعين من الأديان . فكل دين ليس دينهم هو من ابتداع الناس أما دينهم هم فمصدره الله . وحين يقول علماء الاقتصاد إن العلاقات الحالية – علاقات الإنتاج البورجوازي – هي علاقات طبيعية فإنهم يعنون ضمناً أنها هي العلاقات التي تخلق في ظلها الثروة ، وتتطور القوى الإنتاجية ، في توافق مع قوانين الطبيعة ، ومن هنا فإن هذه العلاقات هي ذاتها قوانين طبيعية مستقلة عن الزمان . إنها قوانين أبدية لا بد دائماً أن تحكم المجتمع . وهكذا كان هناك تاريخ ، ولكن لم يعد هناك تاريخ . كان هناك تاريخ بما أنّ كانت هناك مؤسسات الإقطاع ، وفي مؤسسات الإقطاع هذه نجد علاقات إنتاج مختلفة تماماً عن علاقات المجتمع البورجوازي التي يحاول علماء الاقتصاد أن يصوروا أنها علاقات طبيعية ، وبالتالي هي أبدية .
ولقد كان للإقطاع أيضاً بروليتارياه – القنانة التي كانت تحوي كل بذور البورجوازية. كما كان للإنتاج الإ قطاعي عنصران متناحران يسميان أيضاً الجانب الحسن والجانب السيئ للإقطاع(1) ، بغض النظر عن أن الجانب السيئ هو الذي ينتصر دائماً على الجانب الحسن . فالجانب السيئ هو الذي ينتج الحركة التي تصنع التاريخ بتشكيل الصراع . ولو حدث خلال عصر سيطرة الإقطاع أن طرح علماء الاقتصاد المتحمسون لفضائل الفروسية ، والانسجام الجميل بين الحقوق والواجبات ، والحياة الأبوية في المدن ، وظروف ازدهار الصناعة المنزلية في الريف ، وتطور الصناعة المنظمة في اتحادات وطوائف وروابط ، وباختصار كل ما يشكل الجانب الحسن للإقطاع ، أن طرحوا على أنفسهم مشكلة إزالة كل ما يلقي ظلاً على هذه الصورة - القنانة ، الامتيازات ، الفوضى – فماذا كان يمكن أن يحدث؟ عندئذ نكون قد أزلنا كل العوامل التي تشكل الصراع ، ووأدنا تطور البورجوازية في المهد ، وسنكون قد طرحنا أمام أنفسنا مشكلة محالة هي إلغاء التاريخ .

وحين حققت البورجوازية انتصارها لم تعد هناك مسألة الجانب الحسن أو الجانب السيئ للإقطاع . لقد استولت البورجوازية على القوى الإنتاجية التي طوّرتها في ظل الإقطاع ، وتحطمت كل الأشكال الاقتصادية القديمة ، وما يتمشى معها من علاقات مدنية ، والدولة السياسية التي كانت التعبير الرسمي عن المجتمع المدني القديم .

وهكذا فلكي نحكم حكماً سليماً على الإنتاج الإقطاعي لا بد أ ن نعتبره أسلوباً للإنتاج يقوم على التناحر . وينبغي أن نوضح كيف كانت الثروة تنتج داخل هذا التناحر ، وكيف كانت القوى الإنتاجية تتطور في الوقت نفسه كتناحرات طبيقية . وكيف أن إحدى الطبقات – الجانب السيئ نقيضة المجتمع – ظلت تنمو حتى بلغت الظروف المادية لانعتاقها النضج الكامل . أفليس هذا معادلاً للقول بأن أسلوب الإنتاج، والعلاقات التي تطورت في ظلها القوى الإنتاجية، ليست بأي حال قوانين أبدية، وإنما هي تتمشى مع تطور محدد للناس وقواهم الإنتاجية، وأن تغيراً يحدث في القوى الإنتاجية للناس يقود بالضرورة إلى تغير في علاقات الإنتاج؟ ولما كان الأمر الأساسي هو ألا نُحرَم من ثمار المدنية، من القوى الإنتاجية المكتسبة، فإن الأشكال التقليدية التي أُنتجت فيها لا بد أن تُحطم . ومنذ هذه اللحظة تصبح الطبقة الثورية طبقة محافظة .

وتبدأ البورجوازية ببروليتاريا هي ذاتها من بقايا بروليتاريا أيام الإقطاع . وتطور البورجوازية بالضرورة – في مجرى تطورها التاريخي – طابعها التناحري، الذي يكون في بدايته مستتراً بدرجة أو أخرى، ولا يوجد إلا في حالة كامنة، وبقدر ماتتطور البورجوازية تتطور في أحضانها بروليتاريا جديدة، بروليتاريا حديثة : ويتطور صراع بين الطبقة البروليتاريا والطبقة البورجوازية ، وهو صراع يعبّرعن نفسه بادئ ذي بدء – قبل أن يدرك ويقدر ويفهم ويعرف ويعلن عالياً من كلا الجانبين بوقت طويل – بمجرد نزاعات جزئية ومؤقتة، في أعمال هدامة. ومن ناحية اخرى فإذا كان لكل أفراد البورجوازية الحديثة المصالح عينها بقدر ما يشكلون طبقة في مواجهة طبقة أخرى، فإن لهم مصالح متضادة متناحرة بقدر ما يواجهون بعضهم البعض . وينشأ هذا التعارض في المصالح من الظروف الاقتصادية لحياتهم البورجوازية. ويوماً بعد يوم يزداد وضوحاً أن علاقات الإنتاج التي تتحرك فيها البورجوازية ليس لها طابع واحد، طابع بسيط، بل طابع مزدوج، وأنه في العلاقات عينها التي تنتج في ظلها الثروة يُنتج البؤس أيضاً، في العلاقات عينها التي يحدث في ظلها تطور القوى الإنتاجية توجد أيضاً قوى تنتج القمع، وأن هذه العلاقات لا تنتج الثروة البورجوازية، أي ثروة الطبقة البورجوازية، إلا بالإلغاء المستمر لثروة الأعضاء الأفراد لهذه الطبقة، وبإنتاج بروليتاريا تتزايد على الدوام .

وكلما زاد ظهور الطابع التناحري في الضوء وجد علماء الاقتصاد – الممثلون العلميون للإنتاج البورجوازي – أنفسهم في تنازع مع نظرياتهم، وتشكلت مدارس مختلفة .

إن لدينا علماء الاقتصاد الجبريين – الذين لا يبالون في النظرية بما يسمونه مساوئ الإنتاج البورجوازي قدر ما لا يُبالي البورجوازيون أنفسهم في الممارسة باَلام البروليتاريين الذين يساعدونهم على كسب الثروة. وفي المدرسة الجبرية يوجد كلاسيكيون ورومانسيون . والكلاسيكيون- مثل اَدم سميث وريكاردو – يمثلون بورجوازية لا تعمل – إذ هي لا تزال تصارع ضد بقايا المجتمع الإقطاعي – إلا على تطهير العلاقات الاقتصادية من الشوائب الإقطاعية، وزيادة القوى الإنتاجية، وإعطاء دفعة جديدة للصناعة والتجارة. والبروليتاريا التي تشترك في هذا الصراع، والمستغرقة في هذا العمل المحموم، لا تعاني سوى اَلام عابرة عرضة، وهي نفسها تراها كذلك. وليس لدى علماء اقتصادأمثال اَدم سميث وريكاردو – ممن كانوا مؤرخي عصرهم – من رسالة إلا إيضاح كيف تكتسب الثروة في ظل علاقات الإنتاج البورجوازية، وصياغة هذه العلاقات في مقولات، في قوانين، وإيضاح مدى تفوق هذه القوانين وهذه المقولات – بالنسبة لإنتاج الثروة – على قوانين المجتمع الإقطاعي ومقولاته . وليس البؤس في نظرهم إلا الاَلام التي تصاحب كل ميلاد، في الطبيعة كما في الصناعة .

وينتمي الرومانسيون إلى عصرنا حيث البورجوازية في تعارض مباشر مع البروليتاريا : وحيث يولد البؤس بوفرة كالثروة . وعندئذ يبدو علماء الاقتصاد كجبريين ضجرين،يلقون من علياء مركزهم نظرة ازدراء متعالية على الاَلات الإنسانية التي تصنع الثروة، وهم ينسخون صورة كل التطورات التي قدمها أسلافهم، وتصبح اللامبالاة التي كانت لدى هؤلاء الأسلاف مجرد سذاجة، لوناً من ألوان الدلال لديهم .

ثم جاءت بعدئذ المدرسة الإنسانية، التي تتعاطف مع الجانب السيئ في علاقات الإنتاج الحالية . هي تسعى – تخفيفاً عن ضميرها – إلى أن تخفف ولو قليلاً المفارقات الواقعية، وهي تأسف بإخلاص على عوز البروليتاريا، والمنافسة غير المكبوحة فيما بين البورجوازيين، وهي تنصح العمال بالقناعة، وبأن يعملوا بدأب وألا ينجبوا سوى عدد قليل من الأطفال، وتوصي البورجوازيين بأن يبذلوا في الإنتاج حماساً معقولاً . وتقوم كل نظرية هذه المدرسة على تمييزات لا تنتهي بين النظرية والممارسة، بين المبادئ والنتائج، بين الماهية والواقع، بين الحق والواقعية، بين الجانب الحسن والجانب السيئ .

والمدرسة الخيرية هي المدرسة الإنسانية وقد بلغت حد الكمال، وهي تنكر ضرورة التناحر، وتريد أن تحول كل الناس الى بورجوازيين، إنها تريد أن تحقق النظرية بقدر ما هي متميزة عن الممارسة وبقدر ما لا تحوي تناحراً . وغني عن البيان أن من السهل – في النظرية – غض الطرف عن التناقضات التي نلتقي بها في كل لحظة في الواقع الفعلي، وعندئذ تصبح هذه النظرية الواقع المرفوع إلى مرتبة المثال . وهكذا فالخيريون يريدون الإبقاء على المقولات التي تعبر عن العلاقات البورجوازية دون النتاحر الذي يشكلها ولا ينفصل عنها . وهم يتصورون أنهم يحاربون الممارسة البورجوازية بجدية، وهم أكثر بورجوازية من الاًخرين .

وكما أن علماء الاقتصاد هم الممثلون العلميون للطبقة البورجوازية فإن الاشتراكيين والشيوعيين هم منظروا الطبقة البروليتارية . وطالما لم تتطور البروليتاريا بعد حتى تشكل ذاتها كطبقة، وبالتالي طالما أن صراع البروليتاريا مع البورجوازية ذاته لم يكتسب بعد طابعاً سياسياً، وأن القوى الإنتاجية لم تتطور بما يكفي في أحضان البورجوازية ذاتها بحيث نتمكن من أن نتبين الظروف المادية اللازمة لانعتاق البروليتاريا، ولتكوين مجتمع جديد، فإن هؤلاء المنظرين ليسوا أكثر من طوباويين يقومون – لمواجهة احتياجات الطبقات المقهورة – بارتجال المذاهب، ويبحثون عن علم مجدِّد ولكن بمقدار ما يتحرك التاريخ إلى الأمام، ومعه يتخذ صراع البروليتاريا صورة أكثر وضوحاً، فإنهم لا يعودون في حاجة إلى البحث عن علم في عقولهم، وكل ما عليهم هو أن يلاحظوا ما يحدث أمام عيونهم، وأن ينطقوا باسمه . وطالما هم يبحثون عن العلم ولا يصنعون إلا مذاهب، طالما أنهم في بداية الصراع، فإنهم لا يرون في البؤس إلا البؤس، دون أن يروا فيه الجانب الثوري، الهدام، الذي سيقلب المجتمع القديم . ومنذ هذه اللحظة كف العلم الذي أنتجه الحركة التاريخية، وارتبط بها ارتباطاً بإدراك كامل للقضية، كف عن أن يكون عقائدياً، وأصبح ثورياً .

ولنعد إلى برودون .

لكل علاقة اقتصادية جانب حسن وجانب سيئ، وتلك هي النقطة الوحيدة التي لا يناقض فيها برودون نفسه . وهو يرى علماء الاقتصاد يعرضون الجانب الحسن، ويرى الاشتراكيين يدينون الجانب السيئ . وهو يستعير من علماء الاقتصاد ضرورة العلاقات الأبدية، ويستعير من الاشتراكيين الوهم الذي لا يجعلهم يرون في البؤس سوى البؤس، وهو يتفق مع الجانبين في الرغبة في الاستناد إلى سند من العلم . والعلم عنده يختزل ذاته في الأبعاد الضيئلة لصيغة علمية، إنه الرجل الباحث عن صيغ . وهكذا يهنى برودون نفسه لأنه انتقد كلاً من الاقتصاد السياسي والشيوعية، وهو أدنى من كل منهما، أدنى من علماء الاقتصاد لأنه كفيلسوف تحت يده صيغة سحرية – يظن أنه يستطيع الاستغناء عن المضي إلى تفصيلات اقتصادية، وأدنى من الاشتراكيين إذ ليست لديه الشجاعة ولا البصيرة كيما يرتفع – ولو بشكل تأملي – فوق الأفق البورجوازي .

إنه يريد أن يكون التركيب، وهو خطأ مركَّب .

إنه يريد أن يحلق – كرجل من رجال العلم – فوق البورجوازيين والبروليتاريين، وهو ليس إلا البورجوازي الصغير، الذي يتأرجح على الدوام بين رأس المال والعمل، بين الاقتصاد السياسي والشيوعية .


1 – نقلا من برودون (الجانب الحسن والجانب السيئ) للشيئ

طبع الكترونيا جمال احمد عن

بؤس الفلسفة ، كارل ماركس ، نقله الى العربية محمد مستجير مصطفى ن الطبعة الرابعة ، سنة 2010 ص- ص 181 - 189

لا تنسي الاشتراك في الموقع ليصلك كل جديد

اشترك في القائمة البريدية ر

أشترك ليصلك جديد المواضيع!

0 commentaires:

Enregistrer un commentaire